محمد جمال الدين القاسمي
81
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وإسنادها إلى المؤمنين ، لإيجاب التوكل على المخاطبين بالطريق البرهانيّ ، وللإيذان بأن ما وصفوا به عند الخطاب من وصف الإيمان ، داع إلى ما أمروا به من التوكل والتقوى ، وازع عن الإخلال بهما . بحث جليل في التوكل قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية - قدس اللّه سرّه - في بعض مصنّفاته : قد ظنّ طائفة ممن تكلم في أعمال القلوب ، أن التوكل لا يحصل به جلب منفعة ولا دفع مضرة . بل ما كان مقدرا بدون التوكل ، فهو مقدر مع التوكل . ولكن التوكل عبادة يثاب عليها من جنس الرضا بالقضا . وذكر ذلك أبو عبد اللّه بن بطة فيما صنفه في هذا الباب . وقول هؤلاء يشبه قول من قال : إن الدعاء لا يحصل به جلب منفعة ولا دفع مضرة . بل هو عبادة يثاب عليها كرمي الجمار ، وآخرون يقولون : بل الدعاء علامة وأمارة . ويقولون ذلك في جميع العبادات ، وهذا قول من ينفي الأسباب في الخلق والأمر ، ويقول : إن اللّه يفعل عندها ، لا بها . وهو قول طائفة من متكلمي أهل الإثبات للقدر - كالأشعريّ وغيره ، وهو قول طائفة من الفقهاء والصوفية . وأصل هذه البدعة من قول جهم . فإنه كان غاليا في نفي الصفات وفي الجبر ، فجعل من تمام توحيد الذات نفي الصفات ، ففي تمام توحيد الأفعال نفي الأسباب . حتى أنكر تأثير قدرة العبد ، بل نفى كونه قادرا ، وأنكر الحكمة في التوكل والرحمة . وكان يخرج إلى الجذمي فيقول : أرحم الراحمين يفعل مثل هذا ؟ يعني أنه يفعل بمحض المشيئة بلا رحمة . وقوله في القدر ، قد تقرب إليه الأشعريّ ومن وافقه من الطوائف . والذي عليه السلف والأئمة والفقهاء والجمهور وكثير من أهل الكلام إثبات الأسباب . كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة ، مع دلالة الحسّ والعقل . والكلام على هؤلاء مبسوط في مواضع أخر . والمقصود هنا الكلام على التوكل . فإن الذي عليه الجمهور أن المتوكل يحصل له بتوكله ، من جلب المنفعة ودفع المضرة ، ما لا يحصل لغيره . وكذلك الدعاء . والقرآن يدل على ذلك في مواضع كثيرة . ثم هو سبب عند الأكثرين ، وعلامة عند من ينفي الأسباب : قال اللّه تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق : 2 - 3 ] . والحسب : الكافي . فبيّن أنه كاف من توكل عليه . وفي الدعاء : يا حسيب المتوكلين ! فلا يقال : هو حسب غير المتوكل كما هو حسب المتوكل ، لأنه علق هذه الجملة على الأولى تعليق الجزاء على الشرط ، فيمتنع في مثل ذلك أن يكون وجود الشرط